علي الهجويري

378

كشف المحجوب

منه بعض الحلوي الصابونية فما أسرع ما قدمنا عليه حتى أذن لي بنسخة من قصائد ومناجاة الحسين وأهداها لي ، ووضع يده علي بطن المريض فشفي مرضه . ثم قال للآخر الحلوي الصابونية هي أكل أعوان الظلمة وإني أراك لابسا ثوب الأولياء وثيابهم لا توافق شهوة أهل الجند فاختر لنفسك واحدا منهما . وبالاختصار فالمقيم لا يلزمه أن يلتفت للسائح إلا إذا كانت وجهة الأول كلها لله أما إذا كان قاصدا بسفره هذا منفعته الخصوصية فيستحيل أن أحدا غيره يلزمه مساعدته حتى يرضي طمعه ، وما دام الإنسان به شبهة طمع لزم أخوه أن يقاومها أما إذا تركه وجب علي أخيه مرضاته وفي الأحاديث أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم آخى بين سلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري وكلاهما من أجلة أهل الصفة ومن رؤساء أرباب الباطن فزار سلمان الفارسي آخاه أبا ذر ذات يوم في بيته فاشتكت إلي زوجه أن أبا ذر لا يأكل ليلا ولا نهارا ولا ينام فيهما ، فأمرها سلمان أن تأتي بطعام . ثم قال لأبي ذر إني أحب أن تؤاكلني يا أخي فهذا الصيام ليس مفروضا عليك ، فلما جن الليل قال يا أخي إني أحب منك أن تريح جسدك فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا وإن لربك عليك حقا . فلما أتى أبو ذر لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في اليوم التالي قال له رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إني أقول لك ما قاله لك سلمان بالأمس : « إن لجسدك عليك حقا » . يؤخذ من هذا أن أبا ذر زهد في متعة هذه الدنيا فأمره سلمان بالمتعة وكل ما علمته على هذا المبدأ فهو صحيح . كنت في مرة في إحدى مدن العراق فاشتغلت بجمع الدنيا وتبذرها حتى كثرت ديوني والتفت إلى كل من أراد منى شيئا فانزعجت متحيرا في كيفية إرضاء أغراضهم فكتب إلى سيد من سادات الوقت يقول لي : « احذر يا بني أن يلفت قلبك عن الله بإرضاء من شغلوا بالطمع ، فإذا وجدت أي إنسان أعز إلي قلبك فاشغل قلبك حتى تريحه وإلا فلا تشغل نفسك واعلم أن الله كافيك فكانت هذه الكلمات سلوي قلبي .